أحمد أمين
95
كتاب الأخلاق
الأرض تدور حول الشمس ، فالذي تغير هو رأي الناس . أما الأرض ، فمن قديم كانت تدور حول الشمس ، والكهرباء كانت تؤثر أثرها في الكون ولو لم يعرفها الناس إلا حديثا ، ولا تزال هناك قوانين طبيعية تعمل عملها فيما بيننا ولما نستكشفها ، وسيعلم الذين بعدنا منها أكثر مما نعلم . هذه القوانين الطبيعية نافذة حتما فيما مضى ، وفي الحال وفي المستقبل ، ولوثوقنا بها وبنظامها نهيىء أعمالنا على وفقها ، فنبني بيوتنا مثلا لأنا واثقون بأن قانون الجذب سيعمل في السنين الآتية ما كان يعمله في السنين الماضية ، وهكذا . وهي لا ترحم صغيرا ولا توفر كبيرا ، تنفذ حكمها على من يعصيها ولو كان طفلا رضيعا أو شيخا وقورا ، فلو أمسك طفل النار بيده لاحترقت ولو لم يعلم أن النار تحرق ، ولو تعاطى إنسان سما مميتا ظنا أنه سكر لمات يحكم القانون الطبيعي ، ولم يعذره الجهل . وكلما أكثر الإنسان من معرفته بالقوانين الطبيعية ، وعرف كيف يستخدمها في مصلحته كانت حياته أسعد ، وهذا هو السبب الذي من أجله نهتم بالبحث عن القوانين الطبيعية بما ندرس من « طبيعة وكيمياء وعلم نبات وعلم وظائف الأعضاء » ؛ فالباعث الأول على دراسة هذه العلوم هو معرفة قوانينها ثم استخدامها في شؤوننا اليومية ، وهذه الحياة اليومية قد تغيرت تغيرا كبيرا بما عرف من قوانين الكهرباء والبخار ونحوهما ، وصرنا أسعد حالا من أسلافنا يوم أن كانت هذه القوانين غير معروفة لهم . وقد تبين لنا من هذا أن موقف الإنسان أمام هذه القوانين الطبيعية إنما هو أن يجتهد في تعرفها حتى إذا عرفها وفق بينها وبين أعماله ولم يعصها لأنه إن عصاها فالضرر واقع عليه هو ، على أننا نتسامح في اللفظ إذا قلنا « عصاها » ؛ لأن عصيانها في الحقيقة لا يمكن ؛ إذ قوانينها نافذة شاء الإنسان أو أبى ، غير أن الإنسان تارة يعمل على وفقها فينتفع بها ، وتارة لا يعرف كيف يستخدمها في منفعته فيؤذى بها . وليست هذه القوانين الطبيعية مقصورة على ما يحيط بنا من الجمادات ، بل إن الأحياء أنفسها من نبات وحيوان خاضعة لقوانين ثابتة تهتم بتعرفها علوم كثيرة « كعلم الحياة » .